482453_358622490941109_612234719_n

الطفل الصغير كقطعة طمي ناعمة تشكِّلها العوامل الثقافية، الإثنية و العقائدية كيفما شاءت و تتحكم فيها جهات متعددة كالأسرة، المدرسة، والشارع.

هذه الجهات هي المجتمعات الصغرى التي تصنع المجتمع الكبير الذي ينتمي إليه الطفل فتجعل منه هذا أو ذاك.

حديث هذا اليوم سيتركّز على الأسرة بوصفها أوّل يدٍ تشكِّل تلك القطعة من الطمي بغضِّ النظر عن انتمائها العقائدي أو الثقافي و تأثيرها السلبي أو الإيجابي على علاقة الطفل بالكتاب و القراءة.

فكيف تنعكس تربية الأسرة وطريقة تعاملها مع الطفل على علاقته هو الآخر بالقراءة؟

هل يلعب الوضع الإقتصادي للأسرة دورا في تحديد هذه العلاقة ؟

ماذا عن البدائل التربوية الحديثة، كيف هو تأثيرها هي الأخرى و هل تغير التقانة (التكنولوجيا) قوْلبة هذه العلاقة ؟

لا يفوتني هنا أن أشير إلى كون كافة العوامل التي سأسردها أسفله متلاحمة ببعضها البعض وفي ترابط لا يمكن تجزيئه بالجهات الأخرى المدرسة والشارع، ولذا فإن محاولتي المتواضعة هذه تعدادية نظرية أكثر منها ترابطية منطقية قصد تبسيط الموضوع وأملا في أن تثري تعليقاتكم النقاش.

الجهل

كان الجهل و لا يزال دائما أول أسباب العزوف عن القراءة بين صفوف الأطفال والشباب. فمن أين لأسرة جاهلة أن تعرف قيمة الكتب ؟

لا أقصد بالجهل هنا الأميّة بل أشير به إلى نقيض الوعي، فقد تجد ربّي الأسرة يسعيان جاهدين إلى تأثيث بيت الأسرة بكل المستلزمات الضرورية و ربما الكماليات كذلك (تلفاز في معظم غرف المنزل مثلا) متناسين أهمية وجود مكتبة متواضعة في قلب المنزل…

بينما قد تجد ربة بيت أمية تفرح إذا ما ضبطت ابنها يطالع كتابا كيفما كان نوعه أو لغته.. وعلى وجه المثال لا الحصر كم صادفنا من والد ذي مستوى تعليمي محترم يهدي ابنه لعبة ما أو جهازا إلكترونيا بدل إهدائه كتابا، ربما استهتارا منه بأهمية القراءة…

التقانة

وقد يفضي بنا هذا المثال إلى العامل الثاني ألا و هو التقانة (التكنولوجيا) :

تلفاز، هاتف ذكي، لعبة فيديو و اختراعات اخرى أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياة الطفل اليومية، كلها تبعده شيئا فشيئا عن عالم اللغة. والغريب في الأمر أن معظم الأسر إن لم نقل كلها تستسيغ بقاء الطفل مشدوها إلى التلفاز، أو منكبا على لعبة عنيفة بدل ازعاجهم بالأسئلة و بالشغب الطفولي، رغم كل توصيات الأطباء لما لهذه التيكنولوجيا من ضرر على صحة الناشيء وكذا التنويم المغناطيسي الذي تقيمه على دماغه…

ولكلّ منا نموذج من طفل أطار التلفاز عقله أو أعمت الألعاب الإلكترونية بصره وأغشته فأصبح لا يتحدث إلا بلغتها.. وهنا ينحصر دور الأسرة في تقنين أوقات اللعب ومراقبة الألعاب، الدور الذي يتوانى أرباب الأسر عن القيام به كما قلت.

تخيّل معي منزلا يستعمل فيه التلفاز في أوقات زمنية محددة ومعقولة، وبدل الإنكباب عليه تجلس الأسرة مجتمعة يقرأ فيها رب الأسرة كتابا ما ويستمع البقية، مشهد بعيد المنال لاكراهات خارجية أكثر منها داخلية ( التعب من شدة العمل بدرجة أولى )
ويقودنا هذا إلى العامل الأخير وهو الحالة الإقتصادية ومدى تأثيرها على علاقة الناشئ بالقراءة.

لربما قد يعتقد الجميع بأن الفقر حاجز يحول دون أن يحمل طفل صغير كتابا ما من اختياره ويقرأه، وأتفق على أنه العامل الأول لانقطاع الأطفال في العالم العربي عن الدراسة وانصرافهم إلى الشغل. لكنني أعارض وبشدة من يقول أن العوز عائق أمام العلم.. وإلا فلماذا أصاب العزوف عن القراءة الطبقة المخملية من المجتمع على حد سواء مع الطبقة المعوزة ؟

الفقر

الفقر لم يكن يوما عائقا و لا عيبا، لكن الجهل عيب… و لربما يمكن استغلال تلك التقانة التي بدأنا معها بداية خاطئة استغلالا سليما. فالكتب الإلكترونية الجاهزة للتحميل متوفرة و بكثرة وبكل اللغات يكفي تحميلها وقراءتها… (في انتظار المقال الأخير المتعلق بالحلول العملية للحد من المشكلة)

ولا يجدر بي أن أنسى عاملا مهما للغاية ربما يتعلق بالأسرة والمدرسة (موضوع المقال القادم ) على حد سواء وهو دفع التلميذ إلى تحصيل النتائج الدراسية وتجاوز أهمية المطالعة خارج المقرر ( وكأن مقررات الدول العربية عموما والمغربية على وجه الأخص كافية لتربية، تعليم ، وتثقيف الطفل الناشئ ! ) وبالتالي الفصل بين مصطلحي الدراسة والتعلم ! وتفضيل الأولى عن الثانية لكونها تحقق مكسبا ماديا وهو الوصول إلى منصب الشغل في نهاية المسار الدراسي وتناسي الهدف الأسمى من المدرسة وهو بناء جيل واعٍ وقادر على حمل مسؤولية بناء وطن أفضل !

خطأ يُلام عليه كل من الأسرة و الطاقم التربوي التعليمي وخصوصا الأخير لما له من علاقة مباشرة و احتكاك دائم بالطفل على مدى السنوات الأولى الحاسمة من عمره…

و رغم  هذه العوامل التي قد تشكِّل من الطفل راشدا جاهلا، ناقما، بدون أدنى وعي أو رأي مستقل ولا رغبة في التحسن و التطور هنالك عامل لا يمكن اغفاله وهو الرغبة الشخصية في التغيير و الشغف بالمعرفة و المضي إلى الأمام، عامل يمكن أن يقف في وجه كل المنغصات.

و أستحضر هنا قصة والدي العزيز، الذي ينحدر من أسرة فقيرة و غير متعلمة في آن، لكن ذلك لم يمنع فضوله و حبه للمعرفة من يتنمى ورغم انقطاعه المبكر عن الدراسة وهجرته إلى أوروبا فقد أدمن مع ما أدمن من الكتب مجلتي الأمة والعربي وكان دائما ما يردد بأنه سيأتي يوم ويمنح تلك الرزم الثقيلة لأبنه البكر و قد كان له ما أراد… ما يمكن أن نستخلصه وكلي فخر بأنه :

يمكن تجاوز جميع التأثيرات السلبية للأسرة بشيء من الإصرار والرغبة في التغيير.

علاقة المدرسة بظاهرة العزوف عن القراءة ” موضوع المقال القادم، إلى ذلك الحين دمتم سالمين.





مقالات ذات صلة :


Profile photo of سلمى وعمرو
178

عن

سلمى وعمرو، 18 سنة من شرق المغرب، مدونة مبتدئة منذ شهرين فقط، مؤطرة جمعوية وعضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع بركان. مبدأ موقع تقانة هو مبدأ سامٍ، وأحببت طريقة العمل الجادة والجديدة التي يقوم عليها الموقع، ولأنها تجربتي الأولى كمدوّنة أحببت أن أرفع سقف التحدي وأحاول أن ارقى بنفسي وأرقى بمحيطي. على أمل أن يكون ما أدوّنه في المستوى.





التعليقات :

# سفيان صبيري قبل 3 سنوات
Profile photo of سفيان صبيري

السلام عليكم،
مقالة جد متميزة عن أهمية الأسرة في تكوين فكر الطفل ;)
ننتظر المقالة القادمة على أحرّ من الجمر :D
وفقنا الله و إيّاك لمجتمع قارئٍ و مُبدِع !

# Mustafa Baouch قبل 3 سنوات
Profile photo of Mustafa Baouch

مقالة دسمة ماشاء الله
بالراي ان للاسرة جزء كبير من المسؤولية الا انه كما قلتي الرغبة الشخصية و الشغف بالمعرفة هو العامل الفاصل.
حين كنت صغيرا و انا اعشق القراءة و كنت انتظر يوم الخميس من كل اسبوع لاقتني مجلتي المفضلة انذاك “مجلة ماجد” لم يشجعني احدا على القراءة، الا انه كنت اعشق القراءة و الكتب و مازلت ………..
لكن هناك مشكل طالما أغضبني هو غلاء الكتب رغم توفر الان الكتب الالكترونية الا انني لا احبذها.
مبدعة ماشاء الله و كذالك مقالتك ;)
في انتظار المقال القادم :woot:

# حسن الخطاب قبل 3 سنوات

مقال جيد أشرتي فيه الي بعض الاسباب التي تحول بين الاطفال والكتاب مما يسبب قطيعة وعزوف علي مدى عمر الانسان فالاحصائيات العالمية لمدى اهتمام الشعوب بالقراءة تصنف العرب في ذيل الترتيب وتعطي ارقام جد مخجلة ونحن أمة أول كلمة مقدسة نزلت علي النبي عليه الصلاة والسلام وهي إقرء .
أكبر عائق هو غياب الوعي لدى الاباء بأهمية القراءة للاطفال وعدم تشجيعهم عليها وبدل ذلك يصرفون أطفالهم لمشاهدة التلفاز أو الانغماس في العاب الفيديو . وحتي المناهج التعليمية لا تشجع للاسف بل علي العكس تنفر من القراءة والمطالعة . =)

# mamdoh syrian قبل 3 سنوات
Profile photo of mamdoh syrian

مقالة رائعة و غنية بمحتواها المفيد :D
من جهتي اظن ان الاسرة هي العامل الاول .. و من ثم تاتي رغبة الشخص بالقراءة ..
لان الاسرة تستطيع بناء الرغبة لدى افرادها .. :lol:
.. بالنسبة للكتب الالكترونية ،. في نظري انها لا تسمن و لا تغني من جوع، لاسباب كثيرة :angel: ،..
انتظر المقال القادم بفارغ الصبر ^_^

# kouki قبل سنتين
# kouki قبل سنتين

hgfyfuhgyify gkututv gyfg yugfyhjg fjhbn

كتابة تعليق :

xD oO ^_^ =] =) ;-( ;) :| :woot: :whistle: :sleep: :sick: :police: :p :o :ninja: :mm: :love: :lol: :kiss: :hmm: :evil: :bandit: :angel: :alien: :D :) :( 8)